تملك غير السعوديين للعقار في المملكة دخل مرحلة أكثر وضوحًا بعد صدور اللائحة التنفيذية للنظام، التي حددت عددًا من الإجراءات والضوابط التي تحكم رحلة التملك، من الهوية الرقمية وفتح الحساب البنكي إلى طريقة تقديم الطلب وإتمام التعاملات المالية.
واللافت أن الموضوع أكبر من مجرد السماح بشراء العقار؛ فاللائحة تضع إطارًا مختلفًا بحسب صفة المالك، ومكان العقار، وطبيعة الحق العيني الذي يراد اكتسابه.
ما الذي تغير فعليًا؟
الفكرة الأساسية في النظام الجديد هي الانتقال من قواعد قديمة أكثر تقييدًا إلى إطار تنظيمي يحدد بوضوح من يستطيع التملك، وأين يمكن أن يتم ذلك، وما الإجراءات المطلوبة قبل إتمام العملية.
ويشمل النظام الأفراد غير السعوديين، والشركات غير السعودية، وبعض الكيانات غير الربحية، إلى جانب الشركات السعودية التي يشارك غير السعوديين في ملكية رأس مالها، وفق الضوابط المحددة.
لكن هذا لا يعني أن جميع هذه الفئات تعامل بالطريقة نفسها؛ فلكل فئة متطلبات وإجراءات تختلف بحسب وضعها القانوني.
كيف يبدأ غير المقيم إجراءات التملك؟
من أكثر النقاط العملية التي قد تهم من يعيش خارج المملكة أن اللائحة لم تترك بداية الإجراءات غامضة.
فغير السعودي غير المقيم في المملكة يحتاج قبل التملك إلى الحصول على هوية رقمية معتمدة، وفتح حساب بنكي داخل السعودية باسمه، إضافة إلى إصدار رقم اتصال سعودي مرتبط بالهوية الرقمية.
بعد استكمال هذه الخطوات، يمكن الدخول في مسار طلب التملك الإلكتروني بدل التعامل مع الإجراءات بصورة ورقية تقليدية.
وماذا عن المقيم داخل السعودية؟
المقيم غير السعودي يدخل ضمن الفئات التي ينظم النظام حقها في التملك، لكن الاستحقاق لا يعني تجاوز الضوابط المكانية أو النظامية.
فالقاعدة الأساسية مرتبطة بالنطاقات الجغرافية التي تحددها الجهات المختصة، مع وجود أحكام خاصة بمكة المكرمة والمدينة المنورة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح قبل البحث عن عقار ليس فقط: «هل يحق لي التملك؟»، وإنما أيضًا: «هل العقار الذي أريده يقع ضمن النطاق الذي يسمح فيه النظام بالتملك؟»
مكة والمدينة لهما وضع مختلف
هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى انتباه، لأن التعامل مع مكة المكرمة والمدينة المنورة ليس مطابقًا لبقية المدن.
النظام يقصر تملك الشخص الطبيعي غير السعودي للعقار في المدينتين المقدستين على المسلم، كما ترتبط إمكانية التملك بالنطاقات والضوابط المحددة.
أما الشركات السعودية التي يشارك غير السعوديين في ملكيتها، فلها أحكام أخرى تتعلق بتملك العقار داخل النطاقات المحددة، بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفق الشروط النظامية.
لذلك من الخطأ اختصار النظام في عبارة واحدة مثل «التملك أصبح مفتوحًا للأجانب في كل السعودية»، لأن الواقع أكثر تحديدًا.
كيف يتم تقديم طلب التملك؟
اللائحة تنص على إنشاء بوابة إلكترونية مخصصة لتملك العقار لغير السعودي، وكذلك للشركة السعودية التي يشارك غير السعودي في ملكية رأس مالها.
ومن خلال البوابة يقدم طالب التملك طلبه، ثم تستكمل الإجراءات المرتبطة بالسجل العقاري وفق الأحكام المنظمة.
كما تشترط اللائحة أن تتم التعاملات المالية المرتبطة بالتملك أو التصرف في الحقوق العينية عبر وسائل الدفع الإلكترونية المعتمدة.
وهذا يعني أن رحلة التملك مصممة لتكون رقمية بدرجة كبيرة، من تقديم الطلب وحتى استكمال الإجراءات المرتبطة بالسجل العقاري.
هل تستطيع الشركات الأجنبية تملك العقار؟
نعم، لكن المسار مختلف عن الفرد.
الشركة غير السعودية مطالبة بالتسجيل لدى وزارة الاستثمار قبل التملك، مع الإفصاح عن الملاك المباشرين وغير المباشرين، وأن يكون ممثلها النظامي حاصلًا على هوية معتمدة، إلى جانب فتح حساب بنكي داخل المملكة باسم الشركة.
ولا تنتهي المتطلبات عند التسجيل؛ فاللائحة تلزم الشركة المسجلة بإبلاغ وزارة الاستثمار عن بعض التغييرات الجوهرية التي تطرأ على ملكيتها أو ترتيباتها الداخلية خلال المدد المحددة.
ومن بينها انتقال ملكية ما نسبته 5% أو أكثر من الشركة، سواء تم الانتقال في عملية واحدة أو عدة عمليات.
هل توجد رسوم على التملك؟
هنا تظهر نقطة تستحق التفريق بين الرسوم والتكاليف الأخرى.
اللائحة حددت رسمًا بنسبة 2% على التصرف بالحقوق العينية على العقار في نطاقات محددة تشمل الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة ومحافظة جدة، وفق ما ورد في المادة التاسعة.
لكن لا يصح تحويل هذه المعلومة إلى عبارة عامة تقول إن «كل أجنبي يدفع 2% عند شراء أي عقار»، لأن النص يتحدث عن رسم مرتبط بالتصرف بالحقوق العينية ويحدد نطاقات وحالات بعينها.
كما حددت اللائحة حالات يكون فيها الرسم بنسبة صفر، من بينها عدد من التصرفات التي تستثنيها المادة العاشرة.
ماذا عن العقار خارج المدن الرئيسية؟
هذه من النقاط التي تجعل قراءة النظام واللائحة معًا أهم من الاعتماد على عنوان مختصر في مواقع التواصل.
النظام يربط تملك غير السعودي بالنطاق الجغرافي الذي يحدده مجلس الوزراء، كما يضع أحكامًا خاصة لبعض الفئات والأنشطة.
وبالتالي لا يمكن التعامل مع خريطة التملك على أنها قائمة ثابتة تقول إن كل مدينة مفتوحة بالطريقة نفسها؛ النطاق والحق العيني والاستخدام كلها عناصر تدخل في تحديد إمكانية التملك.
ماذا تستفيد الشركات السعودية التي لديها مساهمون غير سعوديين؟
اللائحة لم تغفل هذه الفئة.
فالشركة السعودية غير المدرجة التي يشارك غير سعوديين في ملكية رأس مالها تستطيع، وفق الضوابط المحددة، تملك العقار اللازم لمزاولة نشاطها أو لسكن العاملين فيها.
وهناك أحكام مختلفة بحسب ما إذا كان العقار يقع داخل النطاق الجغرافي المحدد أو خارجه، مع اشتراط موافقة وزارة الاستثمار في بعض الحالات.
وهذا الجانب قد يكون مهمًا للشركات التي لديها توسعات أو عمليات تشغيلية داخل المملكة، لأنه يجعل موضوع التملك مرتبطًا أيضًا بالنشاط التجاري وليس بالسكن الفردي فقط.
لماذا جاءت هذه التفاصيل كلها؟
لأن الهدف من النظام ليس مجرد فتح سوق العقار أمام فئة جديدة، بل إنشاء إطار يمكن من خلاله معرفة صاحب الحق، والعقار المشمول، وطريقة التملك، وكيفية تسجيل العملية.
وجود بوابة إلكترونية وربط الإجراءات بالسجل العقاري يضيف طبقة تنظيمية أخرى، بينما تفرض اللائحة متطلبات تعريف وإفصاح على الأفراد والشركات بحسب الحالة.
وبالنسبة للسوق العقارية السعودية، فإن وضوح القواعد قد يكون أهم من مجرد الإعلان عن السماح بالتملك، لأن المستثمر يحتاج إلى معرفة الشروط قبل أن يقرر أين وكيف يشتري.
ماذا يعني ذلك لمن يفكر في شراء عقار؟
إذا كنت غير سعودي وتفكر في شراء عقار في المملكة، فالخطوة الأولى ليست البحث عن السعر فقط.
الأفضل أن تبدأ بتحديد صفتك: مقيم أم غير مقيم، فرد أم شركة، ثم معرفة موقع العقار وما إذا كان داخل النطاق الذي يسمح فيه النظام بالتملك، وبعد ذلك مراجعة نوع الحق العيني والغرض من العقار والإجراءات المطلوبة.
وبالنسبة لغير المقيمين، يجب الانتباه إلى متطلبات الهوية الرقمية والحساب البنكي ورقم الاتصال السعودي قبل الدخول في الإجراءات.
أما الشركات، فالتسجيل لدى وزارة الاستثمار ومتطلبات الإفصاح جزء أساسي من الرحلة.
الصورة الأكبر للسوق العقارية
أهمية النظام لا تتوقف عند الشخص الذي يريد شراء منزل أو المستثمر الذي يبحث عن عقار.
فتح إطار منظم لتملك غير السعوديين يمكن أن يؤثر أيضًا في المطورين العقاريين، والمشاريع السكنية والتجارية، والاستثمار السياحي، والخدمات المرتبطة بالقطاع العقاري.
لكن تأثير ذلك لن يظهر في يوم واحد؛ السوق تحتاج إلى وقت حتى تتضح حركة الطلب الجديدة، ونوعية العقارات التي تستقطب اهتمام المشترين، والمناطق التي تستفيد أكثر من دخول شرائح جديدة.




الردود (0 )